صحيح أنَّ "إسرائيل" بعيدة جغرافياً عن مسرح الأزمة الروسية الأوكرانية في أوروبا، إلا أنها تتابع تطوراتها بقلق، وتخشى مآلاتها وانعكاساتها. وليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إنَّ "إسرائيل" بين المطرقة والسندان في ما يتعلق بتلك الأزمة، وتعتبرها مأزقاً حقيقياً لها وتهديداً لأمنها القومي.
تحاول "إسرائيل" منذ بداية الأزمة أن تقف على الحياد، وأن تسعى، في السرّ والعلن، للقيام بدور الوساطة بين أطراف الأزمة (روسيا وأوكرانيا وحلف الناتو والولايات المتحدة) لمساعدتهم على النزول عن الشجرة، من خلال حل الأزمة بالطرق السلمية، قبل أن تتدهور الأوضاع نحو التصادم العسكري.
ولكي نقف على انعكاسات الأزمة على "إسرائيل"، دعونا نفترض سيناريو "قيام روسيا بتدخل عسكري"؛ ففي هذا السيناريو المحتمل، لن تستطيع "إسرائيل" الوقوف على الحياد، وستكون مطالبة بتحديد موقفها. حينها، ستختار الاصطفاف إلى جانب حليفتها الاستراتيجية؛ الولايات المتحدة. بالطبع، لن يكون التدخل الإسرائيلي عسكرياً فجاً، وإنما لوجستياً من الناحية الاقتصادية، كيف ذلك؟
في هذا السيناريو، أقلّ ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي "الناتو" هو فرض عقوبات شديدة على روسيا، الأمر الذي من شأنه أن يدفعها إلى الرد على العقوبات بوقف إمداد أوروبا بالغاز الطبيعي. وهنا يأتي دور "إسرائيل" لسدّ الفجوة، من خلال نقل صهاريج من الغاز الطبيعي عن طريق البحر المتوسط، مروراً باليونان، وصولاً إلى باقي أوروبا، ومن ثم الولايات المتحدة.
هذا الأمر سيجعل روسيا تأخذ موقفاً عدائياً من "إسرائيل"، ما سينعكس استراتيجياً على التعاون بينهما في الشرق الأوسط، وخصوصاً في الساحة السّورية، إذ إنَّ روسيا تسيطر على المجال الجوي فيها، وبالتالي سيكون من المعقد جداً على "إسرائيل" توجيه ضربات جوية إلى الأهداف الإيرانية فيها.
وربما كان المقصد من العرض الجوي الّذي قام به سلاح الجو الروسي قبل أيام قليلة مع سلاح الجو السوري فوق مرتفعات الجولان (من دون تنسيق مسبق مع "إسرائيل")، توجيه إشارة تحذيرية روسية إلى "إسرائيل"، بأنَّ المجال الجوي السوري لن يكون متاحاً أمامها في حال أدت دوراً يغضب روسيا في الأزمة الروسية الأوكرانية.
لا تقف أبعاد السيناريو عند هذا الحد، فقد يترتب عليه خلق أزمة في "إسرائيل"، إذ إنَّ مساعدتها حلف الناتو على حساب روسيا، وإن كان لوجستياً بنقل الغاز الطبيعي، ستثير غضب حوالى مليون إسرائيلي من أصل روسي على الحكومة الإسرائيلية، علماً بأنَّ هناك أيضاً إسرائيليين من أصل أوكراني يعيشون في "إسرائيل".
وما يزيد الطين بلة بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي هو أنه يدرك جيداً أنّ ثمة لاعباً آخر في الشرق الأوسط سيحاول استغلال تطورات ذلك السيناريو، هو إيران، الّتي سيشكّل لها هذا السيناريو حافزاً قوياً للقيام بخطوات إلى الأمام في برنامجها النوويّ، في ظلّ فشل جولات المفاوضات بينها وبين الدول العظمى في فيينا، وهو ما لا تريده "إسرائيل" وتخشاه.
ولهذا، من مصلحة "إسرائيل" انتهاء الأزمة الروسية الأوكرانية بطرق سلميَّة اليوم قبل غداً، لتفادي وقوع السيناريو السابق الذكر، لما يترتَّب عليه من انعكاسات استراتيجية عليها.


