جنين التي أدركت المعضلة

بعد معركة جنين 3-07-2023م لم يعد خافياً على أحد أن المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية بدأت بإنتاج وتجديد نفسها من جديد ... فجيش الاحتلال الاسرائيلي قد هاجم

04 أكتوبر 2023 | أ. بلال عبد الكريم
7731a2f9-5414-4b48-8fed-ff1f7a404418
7731a2f9-5414-4b48-8fed-ff1f7a404418

بقلم: بلال عبد الكريم
بعد معركة جنين 3-07-2023م لم يعد خافياً على أحد أن المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية بدأت بإنتاج وتجديد نفسها من جديد ... فجيش الاحتلال الاسرائيلي قد هاجم جنين ومخيمها بقوام لواءين تقريباً كما صرح وزير دفاع الاحتلال  يؤاف غالنت، لكن المقاومة الفلسطينية في مواجهة ذلك كانت شرسة وواعية في نفس الوقت، واستطاعت تخطي قوة وحجم العملية العسكرية.

أساليب وأدوات جديدة:

منذ انتهاء عملية السور الواقي 2002م والجهد الأمني الكبير الذي تلاها كان واضحاً أن المقاومة في الضفة قد تراجعت بشكل واضح وضعف أداؤها، وانحسرت أدواتها ولكن هذه المرة بات واضحاً أن الحالة قد تغيرت وأصبح ملموساً إنتاج واستخدام أدوات وأساليب مقاومة لم تكن مألوفة طوال السنوات السابقة أهمها توفر المتفجرات بشكل أمسى يقلق الإحتلال إضافة لتنظيم ورديات حراسة على المداخل والمفترقات في جنين، وكذلك إقامة مراكز لكاميرات المراقبة والإنذار الفوري وأيضاً حفر المقاومين لبعض الأنفاق الصغيرة والوصلات التحت أرضية. كل ذلك إضافة إلى البنادق والأسلحة الفردية الخاصة بالمقاومين مثلت تطوراً في أدوات وأساليب المقاومة له أثره وقيمته ما بعد ذلك.

المتفجرات معضلة  الاحتلال وجيشه :

لكن من أهم ما استطاعت المقاومة إدخاله إلى ميدان المعركة في جنين هو المتفجرات حيث اتضح من عمليات التصدي لقوات جيش الاحتلال  كثرة العبوات الناسفة التي استخدمها المقاومين باتجاه الأليات وكذلك الصور التي عرضتها المقاومة  في جنين وأعلنت أنها  لعملية تصنيع أنواع متعددة من العبوات الناسفة وأيضاً الصور التي عرضها جيش الإحتلال لاستيلائه على عدد من العبوات الخاصة بالمقاومة خلال عمليته الأخيرة في جنين. وذلك بدوره يدلل على أن المتفجرات والعبوات الناسفة باتت تنتج بشكل كامل على أيدي المقاومين في الضفة وهذا في معناه النجاح في إنتاج المتفجرات بشكلها الخام كيميائياً وكذلك تحويلها إلى عبوات ناسفة متنوعة حسب الحاجة والهدف،  فالمتفجرات في مفهومها العام هي مواد لها القدرة على إحداث ضغط مفاجئ و كبير على كل ما حولها .  أي أنها لو اصطدمت  بألواح مضادة للرصاص أو بزجاج مصفح أو  بجدار  فإنها تدمره و تصل إلى من يحتمي خلفه  ولها أيضاً مميزات تكتيكية أهمها المفاجأة و الصدمة و التدمير الواسع  .

و المتتبع لمسيرة المقاومة الفلسطينية في صراعها مع الاحتلال يرى كيف أن المتفجرات مثلت بشكل دائم أداة أساسية لرفع زخم العمل المقاوم وإيقاع الخسائر بشكل أكبر لدى الاحتلال.

فالعمليات الاستشهادية وتدمير المدرعات والعربات العسكرية ونسف المواقع والتحصينات، بل وإنتاج الصواريخ كانت كلمة السر فيها المتفجرات، لذا فإن إنتاج وتوفر تلك المتفجرات لدى المقاومة في الضفة الغربية يعني خروج الأمور عن سيطرة جيش الاحتلال  وحتى السلطة الفلسطينية، حيث أنه يحقق فعلياً للمقاومين الاحتفاظ بأجزاء من المدن والمخيمات في الضفة الغربية وحرمان قوات الاحتلال من التجول بسهولة و الاقتحام في الوقت الذي تريد و كيفما تريد وهو ما يمثل بشكل نسبي حماية للمقاومين  من عمليات التصفية والقتل التي أمست واقعاً يومياً قاسياً في جميع المدن ومخيمات وأحياء الضفة الغربية، ويمنح المقاومين المزيد من الوقت لتطوير أدواتهم وتعزيز قدراتهم كماً و نوعاً . وهو ما تدركه المؤسسة الأمنية للاحتلال جيداً وتراقبه بشكل حثيث عبر جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) والاستخبارات العسكرية (أمان).

فقد كانت أحداث صباح يوم الاثنين 19-06-2023م في جنين  بمثابة الإنذار والضوء الأحمر لدى القيادة الأمنية والعسكرية للاحتلال ، وقد مثل تفجير عربة الجند المصفحة "فهد"  التي صنعت وصممت عام   2021  بأحدث و أعلى المواصفات للمناورة والصمود في بيئة الاشتباكات داخل المدن و المخيمات في الضفة الغربية ذروة هذا الإنذار، حيث إنها وبمجرد سحب القوات والآلية المصابة من المخيم صدرت أوامر الهجوم على المخيم  و اقتحامه وفقاً لما صرح إعلاميون إسرائيليين مقربين من المؤسسة الأمنية، فإن قرار الهجوم على جنين ومخيمها كان قد اتخذ قبل أسبوعين من يوم الاثنين الذي تحدد فيه عملية الاقتحام وقد تم التأجيل أكثر من مرة بسبب تحديث المعلومات.

وكان واضحاً أن معامل إنتاج المتفجرات كانت الهدف الأهم  للعملية العسكرية في جنين، وعلى الرغم من إنها كانت الهدف والعنوان الكبير في العملية إلا أن المقاومة في جنين استمرت في تفعيل العبوات الناسفة على الآليات والجنود حتى أخر لحظة من العملية، كما اعترف جيش الاحتلال.و

أيضاً كما اتضح من الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت ونشرت ذلك طوال فترة العملية العسكرية،  بل وأعلنت المقاومة في جنين عن استئناف انتاجها للعبوات الناسفة في فيديو نشرته بعد يوم من انسحاب جيش الاحتلال...

نجاح المقاومة في مدينة يُلهم المُدن الأخرى

ما قدمته جنين في تطوير في أداء العمل المقاوم الذي انعكس عنه نجاحات معقولة في الميدان يمثل حالة من إلهام واقتداء لمجموعات المقاومة في المدن الأخرى مثل نابلس وطولكرم ورام الله وأريحا والخليل ومناطق أخرى... فالمقاومين في تلك المدن الذين يتم قتلهم وإعدامهم بشكل ممنهج من قبل جيش الاحتلال باتوا في أمس الحاجة للاستفادة ونقل التجربة من جنين ومخيمها وهذا ما سيتبين تحققه من عدمه خلال الأيام القادمة.

خطابات نصر مضللة وعلامات انبعاث

كعادتها قيادة الاحتلال تفاخرت بما عدته انجازاً كبير ، فقد عقد رئيس وزراء الاحتلال بينيامين نتنياهو ووزير دفاعه يؤاف غالانت مؤتمراً في قاعدة بلخاميم الجوية والتي كان يدار منها جزء مهم من العملية عبر الوحدة 5252 المسؤولة عن الاسناد والدعم الناري خلال العملية في جنين. وقد قدم الاثنان العملية على إنها نجاح عسكري وأمني كبير لقوات الاحتلال، بل وأكد نتنياهو أن الجيش قد وجه ضربة شديدة للمقاومة وأن جنين لم تعد ملجأً للمقاومين بعد ذلك.

ولكن ما سبق يبقى في مجمله برتوكول اعتاد عليه قادة الاحتلال بعد  كل الأحداث والعمليات العسكرية، و المتتبع للواقع على الأرض يرى أن العملية العسكرية التي وجهها الاحتلال أتت بنتائج عكسية في كل أهدافها فلا هو قضى على حالة المقاومة في جنين ولا أنهى إنتاج المتفجرات، بل وزاد الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة وأصبحت الحاضنة الشعبية أكثر إيماناً بجدوى المقاومة وأكثر إصراراً على حمايتها والالتفاف حولها، وأصبحت جنين ومخيمها مرة أخرى منارة للمقاومة والمقاومين.