التنافس على مكاسب الحرب في اليمن: ارتدادات تقوِّض عملية السلام والأمن الإقليمي

مع الإعلان عن الهدنة الإنسانية بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، والمدعومة من التحالف العربي، بقيادة السعودية والإمارات

30 سبتمبر 2023 | احمد العصار
WEB_0
WEB_0

مع الإعلان عن الهدنة الإنسانية بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، والمدعومة من التحالف العربي، بقيادة السعودية والإمارات، وبين الحوثيين المدعومين من إيران، في 2 أبريل/نيسان 2022، كانت هذه الأطراف قد استقرَّ نفوذها في مناطق متفاوتة الأهمية، تعد محصلة لمكاسب الحرب، إلى جانب مكاسب أخرى، منذ تدخُّل التحالف العربي، في 26 مارس/آذار 2015. وخلال الهدنة الإنسانية، استمرت هذه الأطراف في التنافس على المكاسب، وكان لتعثُّر التجديد الثالث للهدنة، في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2022، دورٌ في تصاعد هذا التنافس مجددًا، على جانبي الصراع، وداخل كل طرف على حدة.

أولًا: طبيعة مكاسب الحرب، وأطرافها، ودوافع التنافس عليها

  1. طبيعة المكاسب وأطراف التنافس عليها

تعرِّف هذه الدراسة مكاسب الحرب في اليمن، بأنها: كلُّ ما تمسَّكت به أطراف هذه الحرب ورعاتها الخارجيون، وما استحوذت عليه من جغرافيا البلاد بما عليها من مناطق ومصالح ومنافع إستراتيجية، وما أنشأته من قوى الضغط الناعمة والصَّلبة، ممثلةً في الكيانات السياسية، والميليشيات والتشكيلات المسلحة، وما أبرمته من اتفاقيات أو معاهدات في إطار المنافسة على هذه المكاسب أو ما يمتُّ إليها بِصِلة. وستتجلى، أكثر، الأبعاد المختلفة لهذه المكاسب في سياق خريطة التنافس التي ستثار في عَجُز هذا المحور.

وقد أبرزت تفاعلات التنافس على هذه المكاسب مجموعة من المتنافسين المحليين والخارجيين، فكانت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، الطرف الرئيس الأول، وينضوي تحتها أطراف أخرى، يميل بعضٌ منها إلى السعودية، وآخرون يميلون إلى الإمارات. ولا يظهر حلفاء السعودية على نحو واضح، كحال حلفاء الإمارات، لكنهم حاضرون في كل مفاصل السُّلطات الثلاث. أمَّا حلفاء الإمارات فمُحدَّدون في كيانات سياسية وعسكرية وميليشياوية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي (انفصالي)، والمجلس السياسي للمقاومة الوطنية، وتشكيلاتهما المسلحة، إضافة إلى قوات العمالقة التي تنزع إلى السلفية الجامية. وهناك أطراف حكومية تحاول المنافسة مستقلةً، رغم التحديات السعودية والإماراتية، وتمثلها قوى ثورة 11 فبراير/شباط 2011، عبر تيارات حزبية، قومية ويسارية وإسلامية، وأخرى برلمانية، وعسكرية، وقبلية وشبابية(1).

يتمثل الطرف الرئيس الثاني في الحوثيين، الذين يميلون نحو إيران، ويحظون بدعمها. وإلى ذلك حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي حاول الحوثيون تحييده عن التنافس على المكاسب، لكن مكاسبه، كما تبدو، مؤجله، وتمتد، بشكل أو بآخر، إلى الحكومة المعترف بها دوليًّا، التي يمثِّل الحزب إحدى دعاماتها السياسية.

لا تغيب عن مشهد التنافس جماعتا أنصار الشريعة وداعش، بوصفهما تنظيمين إرهابيين، أسهما كثيرًا في تفاعلات الحرب، وفي ظروف مختلفة منها، وتحاولان انتزاع أي مكسب بالقوة، رغم مقاومة ذلك من قِبل كافة أطراف التنافس، المحلية والخارجية. وثمة مزاحمة للصين وعُمان تنطلق من أدوارهما الدبلوماسية في شأن الحرب اليمنية، وارتباطها بخلافات إقليمية تبرز فيها السعودية وإيران(2). وفوق كل هذه الأطراف طيفٌ من المتنافسين الخارجيين، تتقدمهم الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، ثم الاتحاد الأوروبي، لاسيَّما فرنسا.

  1. دوافع التنافس على مكاسب الحرب

تعددت دوافع التنافس، وفقًا لتعدُّد مجالاته، وتعارض أجندات الأطراف الداخلية للحرب، وأجندات القوى الخارجية المرتبطة بها، وهذه الدوافع، في الوقت ذاته، تقع ضمن دائرة أوسع تضم دوافع الحرب برمَّتها.

  • الدوافع السياسية

تجسِّد مجمل الدوافع السياسية للتنافس، أو بعضٌ منها، الدوافع التي كانت وراء نشوب الحرب، وتدخل التحالف العربي، عام 2015. وتشير المحصلة الحالية لمكاسب الأطراف الداخلية من الحرب، أن قوى ثورة الربيع العربي في اليمن (قوى ثورة 11 فبراير/شباط 2011)، وعلى رأسها حزب التجمع اليمني للإصلاح (إسلامي)، والمقاومة الشعبية، والشباب المستقل، كُلُّها تعرضت لعملية سلب للكثير من مكاسب الحرب، لمصلحة أطراف أخرى، أفرزتها تحولات الحرب، وأهمها المجلس الانتقالي الجنوبي (انفصالي)، والمجلس السياسي للمقاومة الوطنية، وكلاهما مدعومان إماراتيًّا، ومجلس حضرموت الوطني (مدعوم سعوديًّا). ولا تزال هذه العملية قائمة لانتزاع ما تبقى من المكاسب(3)، فقد مثَّل الهدف السياسي لهذه القوى، بالعودة إلى مكانتها التي كانت عليها قبل الانقلاب الحوثي، عام 2014، دافعًا أساسيًّا لهذا السَّلب من قبل حلفائها، ضمن المضمار الكُلِّي للتنافس، على طول البلاد.

في هذا الاتجاه، أنشأت السعودية والإمارات، خلال الحرب، مجموعة من الميليشيات، التي تحاول تقويض مشروع الدولة الاتحادية، أو إعادة تشكيله، وفقًا لأجندات رعاتها الخارجيين. وفي ذلك الإطار، برزت دوافع التنافس الإماراتي-السعودي؛ حيث يبدو أن اتجاه فصل جنوبي البلاد عن شماله، الذي تمهِّد له الإمارات، ليس في وارد القيادة السعودية حاليًّا، علاوة على موقفها الرافض لأي هيمنة إماراتية على قوى سياسية وعسكرية يمنية، يمكن أن تُسلَّط عليها مستقبلًا، على غرار دور الحوثيين الذين تدعمهم إيران، والذي يمثل سببًا للصراع الراهن.

في اتجاه الحوثيين، نافس التحالف العربي، بكل قوة، لإحباط أي فرصة لتغول النفوذ الإيراني في اليمن، خاصةً في المناطق الإستراتيجية، وقد أجبر الحوثيين على التمركز في الهضبة الشمالية والأجزاء الغربية والوسطى من البلاد. وكان لظروف سياسية ما، أن فُرضت اتفاقية ستوكهولم عام 2018، التي مثَّلت مكسبًا غير متوقع، وبموجبه قُدِّمت موانئ الحُديِّدة للحوثيين، ومن ورائهم إيران، على طبق من ذهب(4). أما على مستوى دوافع التنافس الداخلي، فيبرز مسلك الحوثيين تجاه أي شراكة سياسية؛ حيث لا أثر لها في قاموسهم، لذلك كانت الحرب خيارهم الأول، وبها تُضاعَف مكاسبهم، ولايزال هذا التوجه قائمًا، لولا إنهاك ثماني سنوات من الحرب، والتأثير الإيراني في قرار قيادتهم، الذي جلبهم، عنوةً، إلى الهدنة الإنسانية عام 2022. وتشير آخر تفاعلات الحوثيين مع محيطهم، إلى سعيهم لخلق ظروف مناسبة لهم، تجعلهم أكثر الأطراف السياسية كسبًا، وتقلِّل من فرص المؤتمر الشعبي العام، في تحقيق مثل ذلك، إذا ما اضطروا للانخراط في عملية السلام(5).

  • الدوافع الاقتصادية

برزت بعض من هذه الدوافع خلال التنافس على الموانئ التجارية، ومناطق إنتاج النفط والغاز، ومناطق عبورهما، ومحطات التخزين والتحميل في الموانئ المخصصة لها، في البحر الأحمر، وخليج عدن، وبحر العرب. وقد ضَمَّ هذا المضمار، ودوافعه، الأطرافَ الداخلية للحرب، ورعاتِها الخارجيين. وكان ضمن ذلك، التنافس على موانئ الحديدة، التي حُسم مصيرها لمصلحة الحوثيين، عام 2018، فيما ظلت الموانئ الجنوبية والشرقية، التجارية والنفطية، في حضرموت وشبوة، محلَّ تنافس محدود، إلى أن استهدف الحوثيون موانئ النفط فيها، أواخر عام 2022، رغم وجود هدنة إنسانية التزم التحالف بها، بالرغم من عدم تجديدها.

تأتي الدوافع الاقتصادية للسعودية والإمارات، في سياق أهدافها الجيوسياسية. فالسعودية، مثلًا، ومنذ عهد الرئيس علي عبد الله صالح، كانت تتطلع إلى إبرام اتفاقية تحصل بموجبها على قطاع برِّي يتيح لها مدَّ عدة خطوط من أنابيب نقل نفطها إلى بحر العرب، وذلك بطول 300 كلم، وعرض 5 كلم، لتبدأ من حقول السعودية، مرورًا بمحافظة المهرة اليمنية، حتى ميناء نَشْطون، وأن تخضع هذه المساحة، وخدماتها اللوجستية والأمنية، للجانب السعودي(6).