عقب كبار الباحثين في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي على "قمة النقب" والتي حضرها وزراء الخارجية الإسرائيلي والأمريكي والإماراتي والبحريني والمغربي والمصري، في كيبوتس "سيده بوكير" نهاية مارس 2022.
الباحثون أجمعوا على أن الهدف الأول من تلك هو تسجيل ارتقاء العلاقات بين بين الدول المطبعة و"إسرائيل"، بالإضافة إلى الاتفاق على منع إيران من ملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأمريكي من المنطقة.
"أودي ديكل" مدير المعهد عقب على القمة بالقول: "المجتمعون تعمدوا عدم وضع هدف واضح لاجتماعهم، لكن في مركز الاجتماع إنشاء أساس لتحرك مشترك في الواقع العالمي والإقليمي الجديد، وبضمنه: التعاون ضد إيران، من خلال تحالف أمني إقليمي، على غرار وحدة الغرب ضد روسيا".
وأوضح أن اجتماع "سديه بوكير"، جاء لمنع إيران من ملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي من المنطقة، وبضمنها الاستعداد للانخراط في إعادة إعمار سورية.
هذا بالإضافة إلى أن الاجتماع جاء على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي يثير مخاوف أمنية دولية ويتسبب بارتفاع أسعار النفط والغذاء، وكذلك على خلفية توقيع محتمل على اتفاق نووي بين الدول العظمى وإيران.
واعتبر ديكل أن عملية إطلاق النار في الخضيرة، لم تلحق ضرراً برمزية اجتماع وزراء الخارجية، "التي تشدد على نزول الموضوع الفلسطيني رسميا عن المسرح الإقليمي، والعالم العربي يتقبل إسرائيل في ناديه بدون شروط".
أما الباحث في المعهد يوئيل غوجانسكي، فأشار إلى أن اجتماع النقب ليس دليل على تعمق العلاقات بين "إسرائيل" وعدد من الدول العربية فقط، وإنما هو دليل على دور "إسرائيل" في تبديد التوتر بين الدول العربية والولايات المتحدة أيضا، فقد تزايد هذا التوتر بعد رفض السعودية والإمارات الاستجابة لطلب أميركي بالمشاركة في عزل روسيا سياسيا واقتصاديا.
ولم يستبعد أن تكون دول الخليج مستعدة للتعاون بشكل أعمق مع الولايات المتحدة بشأن الحرب في أوكرانيا، في حال استجابت الولايات المتحدة، ولو لجزء من مخاوفها من إيران، من خلال تعاون استخباراتي أميركي متزايد وتعزيز قدراتها الدفاعية، وخاصة ضد الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وأشار إلى أن الخلافات بين دول الخليج وواشنطن برزت على خلفية تغييرات في السياسة الخارجية لعدة دول عربية مركزية، إثر تعزيز مكانة روسيا والصين في الشرق الأوسط. وتعزز المفهوم بعدم وجوب الاعتماد على الولايات المتحدة بمساعدتها دول عربية في حال هاجمتها إيران، في أعقاب الأحداث في أوكرانيا، وعبر عن ذلك كتاب أعمدة في الصحافة العربية.
واعتبر غوجانسكي أن اجتماع وزراء الخارجية دليل على أن "إسرائيل" ودول الخليج تنسق بينها مقابل الولايات المتحدة. ورغم ذلك، فإنه في حال تنفيذ خطوات أميركية لدعم أمن دول الخليج، وفي موازاة ذلك زيادة ضخ الخليجيات للنفط، ستستمر الشكوك حيال تدخل الولايات المتحدة في المنطقة، وإلى جانبها حاجة الدول العربية إلى تطويق المخاطر والفرص.
الباحث في المعهد عوديد عيران يرى أنه ما زال من السابق لأوانه تقدير تأثيرات الغزو الروسي لأوكرانيا وتبعاته على تطور النظام العالمي، مضيفاً "أنه يمكن التقدير في هذه المرحلة أن محاولات الصين وروسيا لإنشاء نظام عالمي جديد وتحدي المكانة الدولية الريادية للولايات المتحدة قد تلقى ضربة".
عيران اعتبر أنه ينبغي النظر إلى اجتماع وزراء الخارجية "كمحاولة، غير منسقة بالضرورة، للدول المشاركة لاستغلال عودة الولايات المتحدة إلى قيادة النظام العالمي القائم من أجل دفع مصالح مشتركة، ومصالح كل دولة على حدة.
وتوقع، إلى الإدارة الأميركية ستسعى إلى تفسير سياستها في الموضوع النووي الإيراني وإقناع المتخوفين منها، وتجنيد دعم لتطبيق العقوبات المفروضة على روسيا بواسطة زيادة ضخ وتصدير النفط والغاز الطبيعي، وكذلك تشجيع التقدم في القضية الإسرائيلية – الفلسطينية، ويرجح أن "إسرائيل" ستنظر لقلق الدول في المنطقة في مجال إمدادات المواد الغذائية الأساسية.
أما الباحثة في المعهد، سيما شاين، فرأت أن هذا الاجتماع سيساهم في إيجاد منظومة دفاعية إقليمية ضد الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وأضافت، أن "التهديد الإيراني" هو القاسم المشترك لجميع المشاركين في اجتماع وزراء الخارجية في النقب.
واعتبرت أن منظومة دفاعية كهذه، لن تملك إيران ردا عليها، ستتجاوز القدرات الإيرانية، وفي حال تحقيقها فإنها ستعزز علاقات دول الخليج مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، "بخلاف مطلق للمصلحة الإيرانية.
وأشارت شاين، إلى أنه في الوقت الذي تشدد "إسرائيل" فيه البرنامج النووي، فإن الدول العربية تنظر بقلق إلى سياسة إيران الإقليمية وتخشى من أن العودة إلى الاتفاق النووي ستقلص انشغال أميركا بإيران وسياستها وتمنح يدا طليقة لطهران لدفع هيمنتها في المنطقة.
أما عن مصالح المغرب باجتماع وزراء الخارجية، فترى الباحثة مور لينك، أن للمغرب مصالح عديدة دفعتها إلى المشاركة في اجتماع وزراء الخارجية، وتتجاوز مصالحها الثنائية مع "إسرائيل".
ولفتت إلى أن توترًا يسود العلاقات بين المغرب وإيران، فقد قطعت المغرب علاقاتها مع إيران في العامين 2009 و2018، وملك المغرب محمد السادس اتهم إيران بتسليح جبهة البوليساريو، كما أن إيران تطور علاقاتها مع الجزائر، خصم المغرب.
وبحسب الصحافة المغربية، فإن ثمة أهمية للقضايا الاقتصادية بالنسبة للمغرب، التي يتوقع أن تكون قد طُرحت خلال اجتماع وزراء الخارجية، والمغرب تشعر جيدا بتبعات الحرب في أوكرانيا، فارتفاع أسعار المواد الغذائية من شأنها أن تمس بالاقتصاد المغربي، ويأتي ذلك في الوقت الذي تواجه فيه المغرب الجفاف الأشد في العقود الأخيرة وألحق ضررا كبيرا بالقطاع الزراعي ودفع البنك الدولي إلى منح المغرب قرضا بـ180 مليون دولار لدعم الزراعة فيها.
وقالت لينك، "أن المغرب معنية بتعزيز علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، من أجل تعزيز سياستها حيال الصحراء الغربية، بعد اعتراف أميركي بسيادة المغرب في هذه المنطقة".
وعن انضمام مصر إلى "اتفاقيات أبراهام"، فيرى الباحث في المعهد، أوفير فينتر، أنه ليس صدفة أن مصر كانت الدولة الأخيرة التي أكدت على مشاركتها في اجتماع وزراء الخارجية في "إسرائيل"، وذلك لأن هذا الاجتماع لا يتلاءم مع سياستها من عدة نواحي: علانيته، المكانة الإقليمية الريادية لـ"إسرائيل" كمضيفة، غياب الفلسطينيين البارز.
وأوضح أوفير فينتر، أنه على الرغم من ترحيب مصر بـ"اتفاقيات أبراهام"، لكنها تحفظت من روح هذه الاتفاقيات وحافظت على مسافة منها، وإلى جانب ذلك، فإن مشاركة مصر في الاجتماع ينطوي على انحراف من خط مصري مستقل في القضية الإيرانية، ورغم قلق مصر من خطوات إيرانية وهجمات الحوثيين، إلا أنها لا تشارك دول الخليج و"إسرائيل" الشعور بالهلع من احتمال التوصل إلى اتفاق نووي جديد.
وبين، أن مصر بدأت مؤخرًا بالانضمام رويدًا رويدًا إلى محور دول "اتفاقيات أبراهام"، وتقف في مركز التحالف الإقليمي الناشئ. وبرز ذلك بلقاء شرم الشيخ الذي جمع الرئيس المصري ورئيس الحكومة الإسرائيلية وولي عهد أبو ظبي.
ولفت فينتر إلى أنه في خلفية الخطوات المصرية مصالح إستراتيجية بالغة الأهمية، وفي مقدمتها الرغبة بمساعدات أميركية وخليجية وإسرائيلية لمواجهة التحديات الاقتصادية الشديدة الماثلة أمامها في أعقاب الحرب في أوكرانيا، التي قطعت في أعقابها إمدادها بالطحين والذرة.
وأضاف: بمقدور مصر تأدية دور هام في "بلورة هندسة المنطقة"، بتعزيز تأثير "المحور العربي البراغماتي" وإضعاف التأثير الإيراني بعدة طرق: إبعاد إيران عن قطاع غزة، تقارب العراق والأردن ومصر في إطار حلف "الهلال الخصيب الجديد"، ضمان الملاحة في البحر الأحمر مقابل تهديدات الحوثيين في اليمن، تزويد لبنان بالغاز عن طريق الأردن وسورية، وكذلك إعادة تقريب سورية من العالم العربي.


