تمهيد تاريخي
شكلت الاتفاقيات التي وقعتها دول الطوق العربي مع كيان الاحتلال الإسرائيلي في الفترة الممتدة بين 24 فبراير و20 يوليو 1949، بوساطة الأمم المتحدة في جزيرة رودس اليونانية أول رسم للحدود بين الدول العربية وكيان الاحتلال الإسرائيلي والتي عرفت باسم "الخط الأخضر".
رسم الخط الأخضر حدود فلسطين التاريخية، في المقابل قسم ذلك الخط فلسطين إلى ثلاث مناطق، الأولى يحتلها كيان الاحتلال الإسرائيلي وتمثل 78 بالمائة من مساحة فلسطين، وبقي للفلسطينيين 22 بالمائة من مساحة أرضهم تشكل مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي قضمت لاحقاً بالتغول الاستيطاني.
جاءت مساحة قطاع غزة وفقاً لذلك الخط حوالي 555 كم2، إلا أن تلك المساحة واجهت اعتراضاً من قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي قدم شكاوى للجنة الهدنة المشتركة التابعة للأمم المتحدة، وقال إن اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة يقومون بتعديات على خط الهدنة، وطلب تحديد الخط بعلامات واضحة، واتفق مع ضباط الهدنة المصريين على قضم 200كم2 من مساحة القطاع السابقة، ليوقع الجانبان اتفاقاً سرياً في 22 فبراير 1950، أطلق عليه اسم "اتفاقية التعايش، والتي رسمت حدود قطاع غزة الحالية ومساحتها 365 كم2.
انتهك الاحتلال الإسرائيلي كل الاتفاقيات السابقة، واحتل كامل قطاع غزة عام 1967، حتى عام 1993، إذ شهد ذلك العام توقيع منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي اتفاقية أوسلو، والتي قضمت مجدداً مساحة قطاع غزة، إذ نصت تلك الاتفاقية على انتشار جيش الاحتلال خارج مدن ومخيمات قطاع غزة، والانحصار داخل المستوطنات والمواقع العسكرية، وتحديد 50 متراً داخل حدود القطاع الشرقية والشمالية والجنوبية كمنظمة عازلة يحظر على الفلسطينيين الوصول إليها أو استغلالها زراعياً، وزاد الاحتلال تلك المساحة إلى 150 متراً مع بداية اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وبعد إعادة انتشار قوات الاحتلال عام 2005، زادت تلك المنطقة لتصبح 300 متر.
خسر سكان قطاع غزة على مدار سنوات متلاحقة منذ احتلال فلسطين عام 1948، مساحات زراعية واسعة كانت تشكل رافداً رئيسياً لسلتهم الغذائية، بالإضافة إلى أنها قلصت مساحة القطاع جغرافياً، وكان لا بد من استعادة تلك المساحات، وهو ما نجحت به المقاومة الفلسطينية في أعقاب اتفاق الهدنة الموقع عام 2012، والذي نص أحد بنوده على عدم تقييد الاحتلال الإسرائيلي حركة السكان أو استهدافهم في المناطق الحدودية.
فوائد المنطقة العازلة للاحتلال الإسرائيلي
أجبر الاحتلال الإسرائيلي على القبول بالواقع الجديد الذي فرضته المقاومة على طول الحدود، الأمر الذي أفقده المنطقة العازلة والتي مثلت له أهمية استراتيجية في الجانب الأمني والعسكري ويمكن إجمال تلك الأهمية في النقاط التالية:
- إبعاد عين المقاومة عن مواقعه وتحركاته
حرص جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ أن وطأت أقدامه أرض فلسطين على إبعاد المقاومة وأعينها عن مواقعه العسكرية، إذ تعتبر المنطقة العازلة بينه وبين الطرف الآخر، بمثابة ركن أساسي يضمن له السيطرة الاستطلاعية والنارية، في المقابل، كانت المقاومة تجد صعوبة في معرفة تضاريس المنطقة الحدودية بشكل عام، وانتشار جيش الاحتلال بها، ومع تمكن المقاومة من فرض الوقائع الجديد على الحدود، فقد الاحتلال المميزات التي كان يتمتع بها في المنطقة الحدودية، وحققت المقاومة ما كانت تصبو إليه من الرصد المتواصل لتحركات الاحتلال ومواقعه العسكرية.
- القيام بعمليات أمنية وعسكرية
استغل جيش الاحتلال الإسرائيلي المنطقة العازلة وخلوها في السنوات الماضية من أي تواجد للمقاومة وتقييد حركة السكان إلى سهولة تحركه وقيامه بعمليات أمنية وعسكرية في المنطقة الحدودية، عبر تسلل القوات الخاصة التابعة له من خلال الأودية والمناطق المنخفضة باتجاه قطاع غزة، وهو الأمر الذي شكل تهديداً لبيئة المقاومة الأمنية والعسكرية، وكذلك للسكان الذين كانوا يعانون بسبب تلك العمليات.
وكانت عملية اختطاف المواطن مهاوش القاضي في سبتمبر 2007، من العمليات الأمنية التي أظهرت أهمية المنطقة العازلة للاحتلال، إذ تمكنت وحدة احتلالية خاصة من الدخول مئات الأمتار شرق مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وقامت باختطافه من سيارته واقتياديه إلى داخل الأراضي المحتلة، ناهيك عن العديد من العمليات الأخرى المشابهة التي لا يتسع المجال لذكرها في هذه الورقة.
المقاومة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام تلك العمليات، وقامت بنصب الكمائن في المناطق التي يتوقع دخول القوات الخاصة الإسرائيلية منها، وأوقعت فيها خسائر كبيرة، وحدت من حركتها، ومثلت سلسلة عمليات "صيد الأفاعي" التي أطلقتها كتائب القسام في سبتمبر 2007، نقطة تحول مهمة في التغلب على التحديات الأمنية للمنطقة العازلة ودخول قوات الاحتلال الخاصة لعمق قطاع غزة.
- تجنيد المتخابرين وزرع النقاط الميتة
اعترف العديد من المتخابرين الذين ألقت المقاومة والأجهزة الأمنية الفلسطينية القبض عليهم، أن المنطقة الحدودية تشكل معبراً لدخول المتخابرين إلى المواقع العسكرية للاحتلال شرق قطاع غزة، بهدف مقابلتهم وتبادل المعلومات معهم، وتزويدهم بالمعدات التجسسية.
هذا بالإضافة، إلى اعتبار المنطقة العازلة بمثابة أرض آمنة لهروب المتخابرين الذين يتم اكتشافهم من قبل المقاومة، أو حتى تجار المخدرات، وكان يصعب على المقاومة والأجهزة الأمنية الفلسطينية ملاحقتهم في تلك المنطقة نتيجة الوقائع السابقة من السيطرة الاستطلاعية والنارية للاحتلال الإسرائيلي.
كما وشكلت المنطقة العازلة جيوباً مهمة للاحتلال في زرع النقاط الميتة للمتخابرين معه، والتي يضع فيها معدات اتصالية وتجسسية وكذلك الأموال.
بداية تشكيل قوة "حماة الثغور"
في العشرين من أبريل 2013، اتخذت قيادة المقاومة الفلسطينية قراراً بنشر بعض قواتها المسلحين بأسلحة خفيفة على الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة، وكان تعداد تلك القوة بضع عشرات من العناصر التي كانت مهمتهم ترسيخ الإنجاز الذي حققته المقاومة بعد عدوان 2012، والذي قلص المنطقة العازلة من 300 متر وفي بعض المناطق 900 متر إلى 50 متراً فقط، بالإضافة إلى تحقيق أهداف أخرى متمثلة في الحاجة الملحة لتوسيع البيئة الميدانية والأمنية لخدمة العمل المقاوم، ناهيك عن ضبط الحالة الأمنية لقطاع غزة بما يتوافق مع الاجماع الوطني والفصائلي، وتضييق المجال الحيوي لمخابرات الاحتلال.
ومع بدء استشعار الإنجاز في الأهداف السابقة ومواكبة للتحديات الأمنية والعسكرية التي واجهتها تلك القوة، زاد اهتمام قيادة المقاومة بالقوة وعملت على تطويرها ودعمها بشرياً ولوجستياً، فزادت من عناصرها وأقامت لهم نقاط انتشار ومراقبة على طول حدود قطاع غزة الشمالية والشرقية مع الاحتلال الإسرائيلي والجنوبية مع مصر، ورفعت مستوى تسليحهم وجهزتهم بأسلحة متوسطة ودعمتهم بالمعدات اللوجستية الأخرى.
أجبرت الإنجازات العسكرية التي حققتها المقاومة الفلسطينية خلال عدوان 2014، الاحتلال على الرضوخ للعديد من الشروط التي فرضتها المقاومة خلال المفاوضات، وكان في مقدمة تلك الشروط إلغاء المنطقة العازلة ووقف الاعتداءات على المزارعين وأراضيهم، الأمر الذي شكل نقطةً مهمة في إحكام المقاومة لسيطرتها على المنطقة الحدودية.
شهد عام 2015، نقطة تحول في تثبيت المقاومة الفلسطينية لعملها على المنطقة الحدودية، وبدأت في أغسطس من ذلك العام، شق "طريق العودة" الذي يبعد عن الحدود 250 متراً فقط، بهدف تثبيت شروطها التي وضعتها على طاولة المفاوضات، وفي أثناء أعمال شق الطريق حاول جيش الاحتلال عرقلة إنشائه، وأطلق النار في مرات عدة على الآليات التي تستخدمها المقاومة في شق الطريق، ما دفع بالأخيرة لدفع القوات المساندة مع تلك الآليات واستمرت في العمل، حتى أنجزت المشروع بالكامل، إذ أصبح شارع العودة يمتد من جنوب القطاع حتى شماله، ويحكم إلى جانب مواقع المقاومة المنتشرة السيطرة الأمنية على طول الحدود.
مهام قوة "حماة الثغور"
كأي عدو، يبحث الاحتلال الإسرائيلي عن الخواصر الرخوة للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، في محاولة منه للنفاد عبرها وتنفيذ عملياته الأمنية والعسكرية، ناهيك عن تجنيده للمتخابرين معه الذين يمدونه بالمعلومات اللازمة حول المقاومة الفلسطينية وأنشطتها.
مثلت قوة "حماة الثغور" التي شكلتها المقاومة السد الذي يحول بين الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق أهدافه في المنطقة الحدودية لقطاع غزة، ويمكن إجمال المهام التي تقوم بها القوة في النقاط التالية:
- منع جيش الاحتلال من التسلل أو التوغل إلى قطاع غزة وقيامه بالعمليات الأمنية والعسكرية، إذ أصبح دخوله بضع عشرات من الأمتار داخل حدود قطاع غزة هي بمثابة مغامرة غير محسوبة، ويدرك الاحتلال أنه سيتكبد خسائر في قواته ومعداته، ومثلت حادثة إطلاق النار على الجرافة الإسرائيلية التي توغلت لعشرات الأمتار قرب الحدود شرق مدينة خانيونس في 13 يناير 2021، واقعاً جديداً من قبل المقاومة التي أرسلت من خلال ذلك التصدي رسالةً للاحتلال الإسرائيلي أن أي توغل في المنطقة الحدودية سيواجه بإطلاق النار، وهو ما أجبر تلك الجرافات والآليات المساندة لها على الانسحاب داخل الأراضي المحتلة.
- حرمان الاحتلال والمتخابرين معه من عقد لقاءات أمنية في المنطقة الحدودية، أو تسلل وهروب المتخابرين باتجاه مواقع الاحتلال العسكرية على طول الحدود، وهو ما حرم الاحتلال من سيل المعلومات الأمنية والاستخبارية التي كان يمدها به المتخابرين، وظهر أثر ذلك في سير العمليات العسكرية وفشله أمام المقاومة خلال عدوان 2014، والذي أظهر تخبطاً كبيراً نتيجة لشح المعلومات الأمنية والاستخبارية التي يمتلكها عن المقاومة الفلسطينية وقدراتها العسكرية، كما وحد انتشار المقاومة وقوات حماة الثغور من ظاهرة المتخابرين، إذ أظهرت المعطيات الفلسطينية أن أعداد المتخابرين الذين تم القبض عليهم ومحاكمتهم خلال عام 2016، هو نصف من تم القبض عليهم ومحاكمتهم خلال عام 2015، وقال ضابط الشاباك الإسرائيلي أريك بربرنج، واسمه الحركي "حريص"، في 30 ديسمبر 2020، "في الفترة الأخيرة، أضحى من الصعب تجنيد المتخابرين في قطاع غزة، سواء بالطريقة التقليدية المتمثلة بمقابلة المتخابرين أو التواصل معهم عبر الجوال أو بالطريقة الحديثة المتمثلة بالتواصل عبر الانترنت".
- توفير بيئة آمنة للسكان والمزارعين في المناطق الحدودية، إذ حرمت السيطرة الاستطلاعية والنارية للاحتلال في المنطقة العازلة المزارعين من المساحة الزراعية في تلك المنطقة والتي تصل إلى 27 ألف دونم، وهي مساحة تشكل 35 بالمائة من إجمالي المناطق الزراعية في قطاع غزة، ومثل نجاح المقاومة في إلغاء تلك المنطقة، إضافة مساحة 10 آلاف دونم جديد للزراعة في المناطق التي كان تصنف بأنها "منطقة عازلة"، وذلك بعدما استشعر الفلسطينيون في المناطق الحدودية حجم الأمان الذي أحدثته الوقائع الميدانية الجديدة وانتشار قوات المقاومة قرب الحدود، ما دفعهم للعودة إلى أراضيهم الزراعية وزراعتها والاستفادة من محصولهم في تنويع المحصول الغذائي لقطاع غزة، واستغناء السوق الفلسطيني عن استيراد بعض المزروعات والمحاصيل من الخارج، بل وأصبح فائضاً لدى قطاع غزة في بعض أنواع تلك المحصولات وقامت وزارة الزراعة الفلسطينية بتصديره إلى الخارج، كما وشهدت بعض تلك المناطق الحدودية نشاطاً عمرانياً واسعاً، وذلك في ظل حالة التكدس العمراني الكبير في المدن والمخيمات الفلسطينية لقطاع غزة.
- حفظ مقدرات المقاومة وتسهيل مهامها في المناطق الحدودية، إذ مثلت المنطقة العازلة نقطة ارتكاز للمقاومة الفلسطينية وظهر ذلك خلال عدوان 2014، كما وتعتبر تلك المنطقة نقطة انطلاق لعمليات ونشاطات المقاومة الفلسطينية تجاه جيش الاحتلال والتي كان أهمها عمليات التسلل خلف الخطوط، وأسر الجنود والذين كان آخرهم الضابط "أرون شاؤول" شرق حي التفاح شرقي مدينة غزة، والضباط "هدار جولدن" شرق مدينة رفح، و"أبراهام مغيستو" على الحدود الشمالية الغربية لقطاع غزة، وزراعة الكمائن، وغيرها، وهو الأمر الذي كبد جيش الاحتلال خسائر فادحة وغير مسبوقة في قواته البشرية ومعداته العسكرية، إذ أن غالبية تلك العمليات كانت في المناطق الحدودية لقطاع غزة.
- التعاون مع الأجهزة الأمنية لملاحقة المطلوبين للقضاء، إذ اتخذ الهاربون من القضاء المنطقة الحدودية ملاذاً آمناً لهم من قبل الجهات الحكومية والأمنية الفلسطينية، لقناعتهم أن تلك الأجهزة لا يمكنها الوصول إلى المناطق الحدودية بسبب الاحتلال، الأمر الذي دفع بالجهات الحكومية للتنسيق والتعاون مع قوة حماة الثغور لإلقاء القبض عليهم وتسليمهم للأجهزة الحكومية المختصة.
- تطبيق حالة الإجماع الوطني لفصائل المقاومة، وذلك في إدارة الصراع مع الاحتلال، والتي توجت خلال السنوات الأخيرة بتشكيل غرفة العمليات المشتركة، ومنع أي أعمال قد تضر بالمقاومة وحالة الإجماع تلك، والتي كان آخرها، محاولة بعض الأشخاص إطلاق صاروخين لا يحملان رؤوساً متفجرة باتجاه مواقع الاحتلال العسكرية في 23 أكتوبر 2020، وفشل انطلاق ما تبقى من الصواريخ والتي حملت شعاراً لسرايا القدس الجناح المسلح للجهاد الإسلامي ولا تحمل رؤوساً متفجرة، ما دفع بعناصر "حماة الثغور" لسرعة مصادرة تلك الصواريخ بهدف حمايتها من قصف الاحتلال لها، وإعادتها للجهاد الإسلامي بعد ذلك.
تضحيات قوة "حماة الثغور"
تواجد قوة حماة الثغور على طول الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة، لتنفيذ المهام السابقة كان له ثمن، فالقوة قدمت منذ إنشائها وحتى نهاية عام 2020، ستة شهداء و12 جريحاً، وكانت مواقعها ونقاطها أول أهداف جيش الاحتلال في أي عدوان يشن على قطاع غزة.


