تغيير النهج تجاه غزة لم يعد يضمن الهدوء لمدى طويل

عاموس هرئيل - المراسل والمحلل العسكري الإسرائيلي لصحيفة هآرتس العبرية العاملان من غزة، اللذان سارعا للركض وراء السيارة التي توقفت لهما في المحطة التي تقع قرب عسقلان، خافا قليلاً عندما اكتشفا أن من

Dk0Sd
Dk0Sd

عاموس هرئيل - المراسل والمحلل العسكري الإسرائيلي لصحيفة هآرتس العبرية

العاملان من غزة، اللذان سارعا للركض وراء السيارة التي توقفت لهما في المحطة التي تقع قرب عسقلان، خافا قليلاً عندما اكتشفا أن من يجلسون في السيارة هم ضباط يرتدون الزي العسكري.

وبعد أن تم التوضيح لهما بأنهم واثقون من تصاريحهما وأن الرحلة ستصل الى معبر ايرز، استجابا للركوب في السيارة.، المحادثة مع رجال مكتب منسق أعمال الحكومة في المناطق أكدت التقديرات التي تسمع في النقاشات التي تجري في جهاز الأمن: السماح بدخول العمال من القطاع للعمل في "إسرائيل" يجلب في أعقابه تحسين كبير في الوضع الاقتصادي في الجانب الفلسطيني. مع ذلك، هو لا يضمن هدوء على المدى البعيد بين "إسرائيل" وحماس.

"إسرائيل" عادت إلى السماح لدخول العمال الغزيين للعمل داخل أراضيها بحجم محدود نسبياً منذ بداية العام 2020، في فترة حكومة نتنياهو، في حينه صمموا على تسوية الداخلين رجال أعمال بدلاً من عمال، رغم أنه كان من الواضح أن الأمر يتعلق بكذبة متفق عليها بين الطرفين، وأصلاً هذه التجربة انتهت بمرة واحدة عند وصول فيروس الكورونا إلى المنطقة في آذار 2020، في أيار 2021 اندلعت موجة قتال أخرى وهي عملية "حارس الأسوار"، التي انتهت كالعادة بتعادل مخيب للأمل، ولكن بعدها، عند صعود حكومة بينت – لبيد إلى الحكم، بدأ بالتدريج أيضاً تغيير حقيقي للسياسة.

الآن مسموح لنحو 14 ألف فلسطيني من القطاع بالعمل في "إسرائيل"، وإذا لم يحدث في القريب تصعيد عسكري جديد في غزة فيتوقع أن يرتفع العدد إلى 20 ألف، طبقا لقرارات الحكومة، يتم فحص أيضاً إمكانية زيادة العدد إلى 30 ألف، حيث أنه في نفس الوقت دخل إلى حيز التنفيذ خطة تربط بين العامل ومشغل إسرائيلي معين ويمكن أن تضمن الدفع وشروط اجتماعية بدلاً من الدفع نقداً كما حدث في الأشهر الأخيرة.

حتى عملية "حارس الأسوار" تحدثوا في "إسرائيل" بمصطلحات "التسوية" في غزة وتسلوا بخطط بعيدة المدى وأملوا في التوصل إلى طريقة لحل مشكلة المواطنين الإسرائيليين أيضاً وجثامين الجنود الإسرائيليين المحتجزين في القطاع، النهج في هذه المرة مختلف، وهو يستند ليس فقط على تغيير في الرؤية لدى رئيس الحكومة يائير لبيد ورئيس الحكومة البديل نفتالي بينت ووزير الجيش بني غانتس، بل أيضاً على توصيات المستويات المهنية، تغيير أساسي حدث في موقف الشباك بعد انتهاء ولاية نداف أرغمان وتعيين رونين بار رئيساً للجهاز، بار وافق على الانسحاب من معارضة الشباك طويلة المدى لدخول عمال من القطاع، لكنه اشترط ذلك بإجراء فحوصات متشددة للخلفية الأمنية.

حتى الآن لم يكن هناك عمال من غزة متورطون في موجات القتال التي اندلعت قبل بضعة أشهر، لكن أي حادثة، بشكل خاص في جنوب البلاد، تحتاج على الفور إلى إجراء فحوصات متشددة هدفها التأكد من أن الحديث لا يدور عن مسلح دخل بتصريح من غزة، كل من يعمل في ذلك من الواضح له أن حادثة كهذه ستعيد العجلة الى الوراء.

النهج الجديد لجهاز الأمن بخصوص غزة، كما تمت بلورته من قبل قيادة منطقة الجنوب والشباك ومنسق أعمال الحكومة في المناطق، يعتمد على عدة فرضيات أساسية، بعضها بعيد عن الخطاب السياسي العلني الذي تتخذه القيادة الإسرائيلية. أولا، لا يوجد أي حل سياسي لغزة في المستقبل القريب؛ ثانياً، لا يوجد حتى الآن أي بديل حقيقي لسلطة حماس (شعار "حماس خائفة وضعيفة" هو هدف مستقبلي ولا يعبر عن الواقع)؛ ثالثا، لا يتوقع أن يحدث أي تغيير في أيديولوجيا حماس.

مع ذلك، "إسرائيل" بدأت تتصرف بشكل مختلف في غزة، فمن جهة، يجب عليها أن تبني تهديد عسكري موثوق أكثر على حماس، بحيث يتم أيضاً تطبيقه بهجمات أكثر شدة (ستتضرر فيها ممتلكات عسكرية مهمة للمنظمة) كرد على إطلاق الصواريخ أو أي سلاح آخر من القطاع على بلدات غلاف غزة، من جهة أخرى، هي تتبع سياسة مدنية أوسع – في الحقيقة اقل بخلا مما اتبعته منذ تولي حماس الحكم في القطاع في العام 2007.

هكذا تم التخلي عن نهج إعطاء رد سلبي تلقائي على كل طلب فلسطيني، طوال سنين اعتادت "إسرائيل" على رفض طلبات غزة، وبعد ذلك الاستجابة لها، بتسهيلات أو بوادر حسن نية فقط بعد جولة عنف أخرى بين الطرفين، هذا أدى أكثر من مرة الى استنتاج الفلسطينيين المطلوب الذي يقول بأن اليهود يفهمون فقط لغة القوة.

في "إسرائيل" أيضاً تعزز الإدراك بأن التدهور في ظروف المعيشة في القطاع يؤدي على الأغلب إلى توتر أمني، وهكذا فان الضائقة اليومية أصبحت غير واضحة قليلاً، ساعات تزويد الكهرباء على سبيل المثال تمت مضاعفتها وهي الآن تبلغ 12 ساعة في اليوم (غزة تجاوزت لبنان الذي فيه الازمة الاقتصادية تضر جدا بظروف المعيشة). خلافا للفترة التي فيها بذلت جهود تسوية، "إسرائيل" لا ترسل عبر الوسطاء المصريين وثائق لحماس، التي تصف فيها الخطوات المتبادلة. رسميا هي تقوم بـ "خطوات لتشكيل الفضاء" ولا تدير حولها مفاوضات غير مباشرة مع غزة.

في نفس الوقت تم تقديم تسهيلات في سياسة تصاريح دخول البضائع إلى القطاع في معبر كرم أبو سالم، خوف "إسرائيل" من استخدام مواد للصناعة العسكرية لحماس وبناء مواقع وحفر أنفاق، أدى إلى شطب مواد كثيرة بذريعة أنها "ثنائية الاستخدام"، أي يمكنها المساعدة في العمل المسلح.

مؤخراً تم تحسين قدرات الفحص، بما في ذلك اجهزة شفافية متطورة، وفي المقابل تم توسيع حجم التصاريح للبضائع، هكذا، تم رفع جزء من العوائق التي أعاقت مشاريع حاسمة من أجل رفاهية القطاع مثل انشاء منشآت لتحلية المياه، وأضرت بفرع الأسماك وفرع الزراعة، مجال الصيد الذي اعتادت "إسرائيل" على تقليصه بصورة ثابتة رداً على أي خرق فلسطيني، زاد بثلاثة أميال بحرية ووصل إلى 15 ميل.

في نفس الوقت تم تعزيز التعاون مع المصريين، الذين إلى جانب فحوصات أساسية في معبر رفح يبذلون جهود كبيرة في قطع أنفاق التهريب من شبه جزيرة سيناء، ونجاح سلاح البحرية في احباط محاولة تهريب فلسطينية لصواريخ مضادة للطائرات في نهاية شهر تموز، بواسطة سفن صيد اقتربت من شواطئ القطاع، يدل كما يبدو أيضاً على الصعوبة التي تواجهها حماس في استخدام الأنفاق.

تدخل مصر يرتبط بمصالح القاهرة، فنظام عبد الفتاح السيسي بحاجة إلى مساعدة "إسرائيل" في قضايا سياسية مختلفة، مثل العلاقات مع الإدارة الأمريكية وأزمة النيل مع أثيوبيا، شركات مصرية أيضا تنفذ مشاريع واسعة في مجال البناء في القطاع، وكالعادة يبدو أن جنرالات في الجيش المصري شركاء في ملكية عدد من هذه الشركات.

ولكن التغيير الأهم أحدثه العمال، فأجرة العمل اليومية المتوسطة لعامل من غزة هي 60 شيكل في اليوم (عامل الزراعة يكسب فقط 20 شيكل في اليوم)، في "إسرائيل" الأجر الأدنى للعامل هو 300 شيكل في اليوم، وكثير من الفلسطينيين يكسبون أكثر من ذلك، الغزي الذي حصل على تصريح عمل في "إسرائيل" يمكنه القفز بمرة واحدة إلى الطبقة العليا من الطبقة الوسطى في القطاع (التي هي بالطبع فقيرة جدا مقارنة بدول اخرى).

إضافة إلى ذلك، ليس فقط كل عامل يمكنه إعالة أسرة تتكون من عشرة أشخاص، بل الأموال التي بحوزته تساعد في تمويل مشاريع محلية حوله، في الأشهر الأخيرة برز توجه توسع واضح في التشغيل في فروع البناء والزراعة والنسيج في القطاع، مع ارتفاع واضح في التصدير.

نحو 80 ألف شخص من القطاع يعملون الآن لدى ثلاثة من المشغلين الكبار: سلطة حماس في القطاع والسلطة الفلسطينية في الضفة (التي تدفع رواتب حتى للعاملين في الوزارات المضربة) ومؤسسات دولية. الأهمية الاقتصادية لأجورهم، بحساب أولي، هي نحو 4.8 مليون شيكل في اليوم. 20 ألف عامل في اسرائيل يدخلون نحو 7 ملايين شيكل في اليوم. بمفاهيم السوق الصغيرة والفقيرة للقطاع فان هذا يعتبر تغير دراماتيكي.

كل هذه التطورات لها إسهام ملموس في حقيقة أنه في السنة الأخيرة كان داخل حدود القطاع القليل من أحداث العنف، وفي الواقع هي كانت السنة الأكثر هدوءاً منذ الانفصال في العام 2005. في المقابل، هناك انتقادات رئيسية لخطوات "إسرائيل"، التي يوجد فيها منطق غير قليل. الانتقاد الأول هو أن شروط الحياة في غزة ما زالت متدنية جدا والتغييرات التي أحدثتها "إسرائيل" يمكن اعتبارها تسهيلات محدودة في ظروف المعيشة لنحو 2 مليون مواطن محبوسين في مساحة صغيرة ومكتظة، بدون مستقبل حقيقي وتقريبا بدون أي امكانية للخروج.

الانتقاد الثاني وهو أن جميع التفاهمات مع حماس استهدفت بطبيعتها أن تكون مؤقتة، إزاء العداء الأيديولوجي الشديد لحماس تجاه "إسرائيل"، التحسين الاقتصادي ربما يكبح لفترة معينة روح القتال لدى حماس، لكن في نفس الوقت هو يعزز أيضاً سيطرتها ويسمح لها بتخصيص وقت وموارد لبناء قوتها.

خلال ذلك، القوة السياسية والعسكرية المتزايدة لحماس بالضرورة جاءت على حساب السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. حسب هذه المقاربة فانه ليس فقط أنه لا توجد احتمالية حقيقية لعودة السلطة إلى القطاع، بل إن "إسرائيل" وبشكل غير مباشر تساعد حماس على طرح نفسها كبديل للسلطة الفاسدة والضعيفة لرئيس السلطة محمود عباس.